فن الكاريكاتير .. «يبكي ويضحك» Print
Written by موقع الكاريكاتير السوري   
Tuesday, 18 May 2010 14:03

فن الكاريكاتير .. «يبكي ويضحك»

 

 

كثيرة هي المفاهيم التي نطلق عليها«أضداد»قد لاتكون في حقيقة الأمر كذلك، فهي تتشابه في كونها وسائل لتحقيق الهدف، وما لم نستطع تحقيقه بالجد والصرامة قد يقدر عليه آخرون بالضحك والسخرية.

إن الفكاهة والضحك والسخرية والنكتة ورسم الكاريكاتير(وما يدخل في عداد الكوميديا) لايقل تأثيراً في النفوس عن«التراجيديا»وكثيراً ما تتدخل الأمور لتصبح المضحك مبكي أو كما تغني السيدة فيروز ـ يبكي ويضحك لاحزناً ولافرحاً ـ ولو تجاوزنا القناع في تاريخ الأدب وما يعنيه من الصلة الوثيقة بين(الكوميدي والتراجيدي) لأدركنا: إن ابداع الانسان في الكشف عن الحقائق وسعيه الدؤوب عنها عملية مستمرة:«فقالوا: الإنسان: ضاحك ـ باك ـ أديب ـ رسام ـ موسيقي ـ مسرحي»وجميعها تعني ميزات انسانية ابداعية ارادت للإنسان أن يكون سيد الكون؟ ‏

مابين الجد والهزل قدم الإنسان رؤيته وخلق عالماً جديداً يسعى لإحيائه باستمرار، فقد تنوعت الوسائل في سبيل تحقيق الغايات، ومن نافلة القول لابد أن نسارع إلى التذكير بأن هذه الإبداعات والوسائل قد يساء استخدامها، وفي هذا تكمن الإساءة عندما تصل أنواع الفنون إلى الانتحال أو التضليل ـ كما حدث ويحدث في محاولة للنيل من المقدسات والرموز الدينية سواء بالرسم أو غيره من الأساليب الساخرة. ‏

وفي عودة للثقافة العربية وفضاءات معانيها نرى: أن الفكاهة والطرفة والنادرة إنما تعني المتعة والتسلية والترويج عن النفس المثقلة بهمومها وأحزانها(لهذا يقال الفكاهة من الفاكهة)وإذ نصل إلى الضحك والإضحاك فإنه يخضع في ثقافتنا إلى جملة من المعايير التي تحفظ الكرامة الإنسانية وهيبة المقدسات الدينية، وهذا بحث يطول لأن فنون المتعة والتسلية مازالت رفاهاً وترفاً يثير جدلاً في الأوساط الثقافية الرسمية غير أنها تبدو أقل صرامة في الثقافة الشعبية التي تخترق الحواجز الرتيبة للثقافة الرسمية ولا سيما عن طريق(النكتة) التي تبيح المحظورات.

ومن جهة ثانية على صعيد الآداب والفنون نجد أنها قد استفادت من جميع مظاهر الحياة الانسانية(ضحك ـ غضب ـ بكاء ـ فرح)وأحسنت استثمارها كأحد المرتكزات والمؤثرات بما فيها من عوامل التشويق والجاذبية ـ حتى أصبح للضحك فلسفة خاصة لاتقل شأناً عن غيرها وعرفت: بأنها أسلوب ردع ومقاومة في مواجهة الضغوط التي تهدد عيش الإنسان وتعوق تقدمه فمن شأنها تدمير المشقة والتقليل من شأن تأثيراتها السلبية، ولذلك يتزايد استخدام الأسلوب الساخر والضاحك في الأوقات الحرجة التي يمر بها الأفراد أو الجماعات والشعوب.. حتى أنه يقال عن شعوب عديدة إنها تجيد الضحك والفرح أيام الحروب، وشعب يجيد النكتة لا يمكن التغلب عليه. ‏

وربطاً فقد لاحظت نشاطاً ملحوظاً في الاهتمام بفن الكاريكاتير في سورية ونهوضاً به، وهو الذي كان موجوداً على الدوام في جميع الصحف والمجلات المحلية، وقد نال العديد من الرّسامين في سورية جوائز محلية وعربية وعالمية، وقد أسعدنا ظهور رسامين جدد على الساحة التشكيلية في هذا الفن الجميل لأنهم يشكلون دفعاً للحركة الثقافية وتجديداً للركود والرقابة المعرفية، فهذا الفن شكل من أشكال السخرية وتوصيف شكلي وبالغ به لأحد الجوانب المميزة للشخصية سواء أكانت اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية فهو إجادة التعبير بطربقة الرسم أو الكتابة: ويبقى للرسم الكاريكاتيري خصوصية من خلال التبسط والقدرة على كشف العيوب من خلال إثارة السخرية وتضخيم العيوب وكسر الرقابة والانعزال والغرور يبحث في دخيلة الشخصية، ويركز على المفارقات بطريقة تثير الضحك وتطول جميع أنواع السلوك والطباع ـ لذلك يقال عن هذا الفن إنه بمنزلة عقوبة وزجر أو ردع تلك القسوة والبشاعة لتكون أكثر ليونه واعتدالاً، وهذا ما جعل من الكاريكاتير قوة حيوية تدفع بالتطور وتلافي النواقص والعيوب أملاً بالسير في اتجاه التطوير والتحديث من خلال إعادة التوازن إلى الحياة والعيش وفق متطلبات التجدد. ‏

لما كان الكاريكاتير يثير التهكم فقد وجد فيه الباحثين الفن النقيض للنزعة المثالية والتقليدية في التعبير بحيث يصبح المطلوب من خلال الكاريكاتير أن يقدم«الضحية»وذلك عندما تجاوز المبالغة في العيوب إلى محاولة خلقها وإعادة انتاجها بما يشوه الصورة الحقيقية وبالتالي قلب الحقائق ـ كما ذكرنا سابقاً ـ وممارسة«التضليل» بقصد إثارة الهواجس وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى قول المحلل النفسي المهتم بالفنون التشكيلية (أرنست كريس 1900 ـ 1957) إن الكاريكاتير بطبيعته عدواني، ويهدف إلى الانتقاص من شأن بعض الشخصيات، وبالوقت نفسه فإنه يتضمن من الدعاية والخيال التي تدعو للتحرر من القيود. ‏

مجمل القول: إن هذا الفن يمكن استخدامه على نحو إيجابي وهو نوع من أنواع اللعب بالصورة من خلال الطاقة الإبداعية للفنان وقدرته على استبطان أعماق النفس البشرية وإظهارها في إلماعات وإلماحات لا تجافي الحقيقة وإن كانت المبالغة والتضخيم وسيلة. ‏

ولو عدنا إلى آدابنا المكتوبة لوجدنا من الأدب الساخر ما يضاهي الآداب العالمية ومثل ذلك في بعض الكتابات التي وصلتنا عن فن الكاريكاتير: ‏
«ذكر الأصمعي في كتابه (تجميل الكتب) أن رجلاً من العراق عاش في القرن الثامن الميلادي واشتهر بتصوير الأشخاص والكتب، وقد كلفه الشاعر بشار بن برد أن يصور له طيراً على قطعة من زجاج فصورها الرسام، لكن بشاراً لم يعجبه الرسم فهدده بالهجاء، فرد عليه المصور بتهديد مماثل قائلاً: (سأصورك على باب داري بهيئتك هذه وعلى عاتقك.. ولحيتك حتى يراك الصادر والوارد فقال بشار: «اللهم اخزه فأنا أمازحه وهو يأبى إلا الجد». ‏

يبقى مهماً القول: إن جميع وسائل الاتصال على قدر من الأهمية في مسيرة الشعوب، وتعتبر سلاحاً مقاوماً لدفع الأذى والظلم وكشف النواقص والعيوب لأن مهمتها: نقدية تسعى لتصحيح المسار ووضع اليد على الجراح، والعربة على السكة الصحيحة. ‏

عفراء ميهوب
صحيفة تشرين- الاحد 29 حزيران 2008

 

Last Updated on Monday, 24 May 2010 10:08