رثاء لسنبلة لم تمت.. في الذكرى العشرين لاستشهاد الفنان ناجي العلي.. Print
Written by موقع الكاريكاتير السوري   
Tuesday, 18 May 2010 13:43

رثاء لسنبلة لم تمت.. في الذكرى العشرين لاستشهاد الفنان ناجي العلي..


المشفى يعج بالصور اللندنية.. الضباب ينقشع بهدوء ممهداً لصعود موكب طويل...
لا غرابة في أن تصادف شكسبير هنا حائرا في وصف ما جرى أو ترى شارلوك هولمز مغمى عليه في أحد أروقة المشفى الذي لا يتسع حتى للأطباء.
كل الممرات مكتظة بالآتين، كل فلسطين كانت بجانبه هذه الليلة، أطفال عين الحلوة ،أطفال صيدا ، بيروت ، صور ، الجنوب، أطفال الشجرة طبريا، أطفال القدس و جنوب أفريقيا.
الازدحام شديد هنا ...طلقة واحدة و تتوقف ساعة بيغ بنغ لتبدأ ساعة الوطن بالدوران اللانهائي، كم طلقة نحتاج لقتل الريح ؟ يتساءل أحد الغارقين بالدمع على حافة الممر، ستنفذ كل الرصاصات القاتلة و ستستمر الريح بالهبوب بحرية مطلقة !! يجيب الطبيب المنهمك في عملية لن تنتهي بزوال مفعول البنج ...
عندما كنت صغيرا كنت أقضي الفترة الصباحية من يومي عند جدي العجوز ..
كنت كثير الحركة و الشغب ..كل الأبواب كانت توصد بإحكام حتى لا أهرب من البيت كالعادة و أنطلق في الشوراع محلقا بيدي الصغيرتين, حتى أصل إلى ذلك الجدار القديم الذي هدم منذ فترة و افتتح مكانه دكاناً تقدم الفول و الحمص !!
ذلك الجدار الرطب دائماً .. كان بمثابة السينما أو المسرح أو لا أدري ماذا!
المهم أنني كنت أتابع الملصقات الجدارية التي كانت تلصق عليه و التي كانت تغير كل أسبوع تقريبا .
على طرف كل ملصق كنت أستمتع بمشاهدة ذلك الطفل الصغير صاحب الثياب المرقعة و الرأس البيضوي الكبير ذو الشعرات العشر .و الذي كان يدير ظهره لي دائماً كم حاولت إقناعه بالالتفات إلي ..بالنزول من الصورة و اللعب معي..
كثيرة هي الألعاب التي كنت أحضرها أملاً بأن ينزل إليَّ لنلعب سوية و لكنه لم يكن يصغي إلي .. و في كل مرة كنت أعود إلى البيت حزينا لأنه لم يستجب لي ..
لا زال الضباب يتناثر بعيدا .. تطل من خلاله جسور صفراء تقترب رويدا رويدا من الأرض..
تتعالى أصوات المكتظين داخل المشفى.. تختلط عبارات المهنئين بصراخ المعزين بصمت التائهين ..
الوجوه متشابهة تماما اليوم لا شيء يدهشنا و لا حاجة لنا أصلا للدهشة..
ألم يخبرنا بموعد زفافه قبل يومين !!و قام بنشر بطاقات الدعوة في كل الصحف !
ألم يسمي القتلة و المشيعيين و حتى المعزين !!
هل تعرف تاريخ قتلك ؟..إذاً أنت مقتول !!
الضباب ينقشع و الجو يمتلىء بدخان سجائر كثيف أراه بوضوح يخرج من عين الحلوة
...من بيروت ..من بغداد ..من طبرية و الناصرة من كل زاوية نفث فيها ناجي العلي دخان سجائره في وجه القتلة الأخبار العاجلة تتوالى تباعاً على وكالات الأنباء.. أستطيع أن أرى الآن فاطمة و هي تبكي بحرقة و تتساءل عمن سيوصل رسائلها إلى أهلها في الضفة الغربية ؟؟ و ناجي هو الوحيد الذي كان يوصلها بأمانة!!
و هناك أشاهد ابو حسن يلتهم التبغ بشكل هستيري.. كيف سيصل السلاح بعد الآن إلى الفدائيين في الغور و بيروت و سيناء ؟؟ أولم يكن ناجي جسر إمداد لا ينضب للفدائيين على كل جبهة !!
على سطح المشفى و في غفلة من الآخرين كان يقف بالشكل الذي عهدته فيه مذ كنت صغيراً بثيابه المرقعة.. و رأسه البيضوي الكبير ذو الشعرات العشر و طبعاً كان يعطي ظهره للجميع حاولت أن أنادي عليه ..حنظلة..! كما كنت أفعل في الماضي.. و لكني امتنعت في اللحظة الأخيرة فليس لدي ألعاب الآن. أو بالأحرى لم يعد هنالك وقت للعب بعد الآن ..

رسام الكاريكاتور هاني عباس

28/8/2007