الحبر الأسود يقلب الكراسي Print
Written by موقع الكاريكاتير السوري   
Tuesday, 18 May 2010 13:00

الحبر الأسود يقلب الكراسي

تلعب الرسوم الكاريكاتورية في صحفنا العربية دوراً مهماً وحاسماً في كشف النظم الاجتماعية والسياسية الملتوية في الدول العربية ، هذا إن وضعت في سياقها الصحيح وأتيحت لها من الحريات والديموقراطية الحقيقية ، كما هو متاح في الدول الغربية التي تتمتع بقدر واف من هذه الحريات والتي شكلت في مجملها لتلك المجتمعات ثورةً فكرية في حقبة من الحقب الماضية . ولم يكن رسام الكاريكاتور الغربي يعتمد المغالاة في إضحاك القارئ بقدر ما يهمه إيصال الفكرة والرسالة التي تحمل نقداً واضحاً لوضع معين من الأوضاع الذي يتناولها في رسمه الكاريكاتوري.
فالكاريكاتور العربي في تقديري لم يصل إلى المرحلة التي يستطيع من خلالها رسام الكاريكاتور أن يأخذ قسطاً وافراً من الحرية في النقد البنّاء، والذي هو ربما بنظر المتنفذين في السلطة تجاوز للخطوط الحمراء التي من المتعذر أن يجتازها رئيس التحرير قبل رسام الكاريكاتور مع ثقتي ويقيني أن لدينا من رسامي الكاريكاتور ما يستطيع أن يرصد الحدث ولديه قدرة على التغيير الإيجابي .
ولكن هناك أكثر من مقص رقابة يعلو فوق رأس رسام الكاريكاتور، فالقيود مازالت هي هي،والأنظمة العربية مازالت هي هي، والشعوب العربية أيضاً مازالت هي هي ، وهي التي تحدد بوصلة رسام الكاريكاتور عندما تتخلى عن رغبتها الشديدة في الضحك غير المشروع، وتنصرف بجدية إلى قضاياها وواقعها المرير والمبكي ، وفي هذا السياق أذكر المناضل الشهيد ناجي العلي الذي شكل مدرسةً وانتفاضة فكرية ضد النماذج الاستبدادية الحاكمة التي عاصرها، وقلب كل هذه الكراسي بريشته وحبره الأسود. وأصدر لكل نموذج كتاباً أسوداً يتضمن نقداً جلياً للفساد وكل أشكال العفن الاستبدادي التي مارستها تلك الأنظمة وأعلن في نهاية المطاف الانتفاضة الفلسطينية الأولى ، وكلما كنا نضحك ملء أشداقنا عندما نبحر في رسومه كان يزداد ضراوة ويحترق ملء روحه ليزداد يقيناً بأن هذه الشعوب سوف تصل في نهاية المطاف إلى مرحلة الضحك المشروع. واستطاع أن يوصلها لأنها حددت بوصلته مسبقا ، ًورغبت في الضحك الثوري من زمن المخنثين والأقزام المتكرشة، وتركها رغماً عنه على بوابة الانتفاضة العفوية عندما ضاقت به ذرعاً إحدى مفرزات صاحبة المشروع الإستعماري الكبير في عالمنا العربي وأخرجته ليس من أراضيها وإنما من أراضي جارتها تمهيداً لتصفيته هناك في عاصمة الضباب.
أما الكاريكاتور الأردني فقد تعرض في الآونة الأخيرة للتهميش، وأصبح لا يتناول في مضمونه إلا القضايا الاجتماعية الساخرة يتضمنها رسائل قصيرة المدى تنتهي بانتهاء طي صفحة الجريدة ، والتي أصبح لا يمكن الاستغناء عنها في الصحف المحلية، حتى النظرة لرسام الكاريكاتور أصبحت نظرة إنسان ( مهرج )، وأنه إذا أراد أن يكون رساماً كاريكاتورياً ناجحاً عليه أن يتضمن كاريكاتوره نكتة تثير الضحك ، ولا أنكر أن هناك كاريكاتوراً سياسياً ، ولكنه كاريكاتور خجول يصور الحدث كما هو دون التطرق إلى حلول، ويكون عادةً بالتلميح أو المراوغة أو الإدلاء بربع الحقيقة ، حتى لا يكون هناك ما يثير حفيظة رموز السلطة.
واللافت للانتباه في الآونة الأخيرة أن هناك محاولات إستئصالية ومحاولات تشويه لبعض رسامي الكاريكاتور العرب الذين تشهد الساحة العربية بأفضليتهم.
وهنا يحضرني مقولة للإمام علي ( رضي الله عنه ) عندما قال : ( أكرموا الخياطين والخطاطين ، فإنما يأكلون من أعماق أعماق عيونهم )، فأين نحن من هذا الكرم المطلق لهذه النخبة من الفنانين الذين يعدّون في مقدمة المجتمعات التي تواجه كل أشكال العبثية بريشهم المشهرة أمام كل باطل ؟ ومن باب أولى أن نبحث عن عيوبنا ونعالجها قبل أن نبحر في عيوب الآخرين ، وننشرها أمام الملأ بطريقة فلسفية لم ألمس منها سوى إثبات قدرة الكاتب على كتابة المقالات ، وعلى حساب الآخرين . ومن باب أولى أن ننزل الناس في أقدارها، وأن نعمل على النهوض بكل موهبة عربية مواتية قبل أن نقوم بالتشهير غير المبرر. وهذا الطرح بهذه الرؤية السلبية لا تخدم سوى مصالح شخصية لا قيمة لها على أرض الواقع ولا تثير إلا الضغائن والأحقاد في النفوس.

 موسى عجاوي : كاتب ورسام كاريكاتور وفنان تشكيلي- الأردن
خاص: موقع الكاريكاتير السوري

1/7/2006